قصص القرآن الخالدة السنة الثالثة العدد ۴۳

Everlasting Tales of the Quran – Volume 03 Issue 43

تاريخ الأرض المقدسة: من هجرة الخليل إلى معراج الحبیب (3)

من محراب مریم الی مهد عیسی 

نذر الأم ومحراب بيت المقدس

بعد قرون من عصر نبي الله سليمان المجيد، عادت غبار الغفلة والإقبال على الدنيا لتخيم من جديد على المجتمع. وفي تلك الأيام، وفي كنف أسرة آل عمران الطاهرة، نذرت أم امتلأ قلبها بالإيمان أن تجعل ما في بطنها محررا لخدمة بيت الله في بيت المقدس. ولما وضعت طفلتها ورأت أنها أنثى، سميتها مريم.

نشأت مريم (عليها السلام) تحت كفالة نبي الله زكريا (عليه السلام) في صحن بيت المقدس الشريف. وكانت تبتل وتتعبد في محراب خاص، ذلك المحراب الذي شهد مرارا نزول الأرزاق السماوية والموائد الغيبية:

﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (سورة آل عمران، الآية ۳۷)

وبحضور مريم (عليها السلام)، دامت الحياة من جديد في محراب بيت المقدس، وهبت نسمات الروحانية مرة أخرى في أرجاء تلك الأرض المقدسة.

بشارة روح القدس في الخلوة الشرقية

في أحد الأيام، اعتزلت مريم (عليها السلام) قومها واتجهت نحو الناحية الشرقية من بيت المقدس لتتفرغ للعبادة في خلوة هادئة. وهناك، تمثل لها الملك الإلهي -جبريل (عليه السلام)- في صورة بشرية تامة وسوية ليُبشرها بأعظم معجزة في التاريخ:

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾

(سورة مريم، الآيتان 16 و۱۷)

أخبرها جبريل أن الله تعالى سيهب لها غلاماً زكياً، يولد من غير أب بل بكلمة منه سبحانه، ليكون آية للناس ورحمة.

الولادة في ظلال نخلة بيت لحم

انقضت أيام الحمل، وجاءها مخاض الولادة ليدفعها إلى مكان ناءٍ جنوبي بيت المقدس، بالقرب من “بيت لحم”. وفي وحدتها وآلامها، استندت إلى جذع نخلة يابسة، ولما اعتراها من الهم لمخافة ألسنة الناس وافترائهم، نادت بألم:

﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾

(سورة مريم، الآية ۲۳)

لكن نداءً طمأنها انبعث من تحتها، فنبعت من الأرض عين ماء زلال، وهُزت النخلة اليابسة فتساقطت عليها رطباً جنياً. وعلى تلك الأرض الطاهرة المباركة، أشرق نور عيسى (عليه السلام) لينير ربى فلسطين.

الكلام في المهد وطنين التوحيد

حملت مريم (عليها السلام) وليدها وعادت به إلى قومها، فما إن رأوه حتى أطلقوا ألسنتهم بالملامة والاتهام. وبما أن مريم كانت صائمة عن الكلام بأمر إلهي، اكتفت بالإشارة إلى الطفل الرضيع.

وفي تلك اللحظة، تتكلم الوليد في المهد بصوت مبيّن وفصيح يفيض بالحكمة، ليأخذ العقول والأنظار:

﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ 

 (سورة مريم، الآيتان 30 و۳۱)

أجلت هذه الكلمات الحقيقة ناصعة، وتحول صمت مريم إلى دفاع سماوي خالداً في التاريخ.

هل تريد تجميع كافة الفقرات والمقالات المترجمة لهذا العدد (المجلد 3، العدد 43) لتأكيد تنسيقها النهائي وصياغتها النهائية للنشر؟

معجزات في بساتين الزيتون ونفخ روح جديدة

عندما بلغ عيسى (عليه السلام) مقام الرسالة، طاف في جبال فلسطين وقراها، يبرئ الأكمه (الذي ولد أعمى)، ويدوي الأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله. لقد جاء ليرفع عن الناس الإصر والأغلال التي تحرفت بها الأحكام، وليبث روح المحبة والأخلاق سامية في أرجاء المجتمع:

﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ…﴾

(سورة آل عمران، الآية ۴۹)

شهدت الأرض المقدسة في عهد عيسى (عليه السلام) تجلياً جلياً للمعجزات الإلهية؛ تلك التربة التي طالما كانت مهداً لأطهر عباد الله، ونقطة وصلٍ بين السماء والأرض.

البشارة الكبرى؛ التبشير بمقدم “أحمد“

لم يكن عيسى (عليه السلام) نبيّاً لهداية قومه في زمانه فحسب، بل كان حلقة وصلٍ بين الرسالات السابقة ومبشراً بأعظم رسالة في المستقبل. وفي أواخر أيام دعوته في الأرض المقدسة، جمع بني إسرائيل ليكون مصدقاً لما بين يديه من التوراة، ومبشراً بالرسالة التي تبدو آفاقها في أفق التاريخ.

وعلى ربى فلسطين وفي صحن بيت المقدس، ترنّح نداؤه السماوي ليرسخ اسم آخر أنبياء الله في سجل الخلود:

﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ…﴾

(سورة الصف، الآية  ۶)

زيّن عيسى (عليه السلام) كتاب الإنجيل بذكر اسم النبي الخاتم، ليكون هذا الاسم سراجاً منيراً يَهدي الأمم نحو ظهور آخر الرسل. وبعد عروسه إلى السماء، ظلت أرض فلسطين وقلوب المنتظرين للتوحيد تترقب لقرونٍ تحقق هذا الوعد الإبراهيمي والعيسوي.

وحانت لحظة التحقق في ليلة الإسراء والمعراج؛ الليلة التي وطئت فيها أقدام “أحمد” -المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)- صحن المسجد الأقصى، وصلّى فوق صخرته المباركة. وبحضوره الشريف، اكتملت بشارة عيسى الخالدة وتكللت حلقة الرسالات الإلهية بتمامها.

الدروس والعبر التربوية والأخلاقية

  • النذر والتوجيه التربوي للأبناء: يُظهر نذرُ أمّ مريم (عليها السلام) أن التربية الإيمانية تبدأ من مرحلة الحمل، وأن النوايا الطاهرة للوالدين تُعبّد المسار المستقبلي للأبناء.
  • الخلوة، وطهارة النفس، والرزق المعنوي: يُذكّر اعتزالُ مريم (عليها السلام) في المحراب وتلقيها الموائد الغيبية بحقيقةٍ خالدة؛ وهي أن الأرزاق الروحية والمعرفية تُنال في ظلال الطهارة الأخلاقية والابتعاد عن المفاسد والملوثات البيئية.
  • الصبر على الاتهامات والدفاع الإلهي: إن صمت مريم (عليها السلام) أمام اللائمين وتفويض دفاعها إلى الله تعالى يُقدم درساً جلياً: من يسلك طريق الحق لا تُثنيه الملامات؛ إذ إن الله يتولى الدفاع عن أصحاب القلوب الطاهرة.

المصادر والمراجع:

القرآن الكريم:

  • سورة آل عمران، الآيات 35 إلى۴۹
  • سورة مريم، الآيات 16 إلى۳۴
  • سورة الصف، الآية۶

المصادر الروائية والتاريخية:

  • تفسير الميزان (العلامة الطباطبائي)، ذيل آيات سورَتَي مريم وآل عمران، وذيل الآية 6 من سورة الصف (تحليل بشارات عيسى عليه السلام في الإنجيل والقرآن)
  • تفسير العياشي (محمد بن مسعود العياشي)، المجلد الأول، الأحاديث المتعلقة بولادة عيسى (عليه السلام) في بساتين النخل ببيت لحم.
  • بحار الأنوار (العلامة المجلسي)، المجلد 14، أبواب أحوال مريم (عليها السلام) ولادة ورسالة عيسى (عليه السلام)؛ والمجلد 15، باب بشارات الأنبياء بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
  • الكافي (الشيخ الكليني)، المجلد 8 (روضة الكافي)، الروايات المتعلقة بموائد محراب بيت المقدس.
  • تفسير الأمثل (نمونه) (آية الله مكارم الشيرازي)، ذيل الآية 6 من سورة الصف (دراسة لفظة “أحمد” والبشارات التاريخية في إنجيل يوحنا / الفارقليط)
Share This Story, Choose Your Platform!

news via inbox

Subscribe to the newsletter.

Leave A Comment

you might also like