مقال الأسبوع السنة الثالثة العدد ۴۳
السرد الوحيي – معرفة لأنماط التقنيات الإعلامية في القرآن الكريم
السيد هاشم موسوي
المقدمة
إن عالم اليوم هو عالم الحضور المستمر للرسائل. فالإنسان، منذ ساعات استيقاظه الأولى وحتى نهاية يومه، معرّض للأنباء، والصور، والأصوات، والسرديات؛ وهي رسائل قادرة على زيادة وعيه، وإثارة مشاعره، والتأثير على خياراته. وفي مثل هذا العالم، تُعدّ القدرة على فهم الرسالة، وتقييم مصداقيتها، والاستخدام المسؤول للإعلام، جزءاً من ضرورات الحياة. ويمثل الأسبوع العالمي للدراية الإعلامية والمعلوماتية، الذي يُحتفى به سنوياً في الفترة من 24 إلى 31 أكتوبر، فرصة للالتفات إلى هذه المسؤولية.
وتطرح هذه المناسبة على المجتمع الديني أيضاً سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن عرض رسالة الدين بلغة مخاطب اليوم، بأسلوب واضح وجذاب ومؤثر؟ إن الرجوع إلى القرآن الكريم يبيّن لنا أن الوحي الإلهي، إلى جانب عرضه للمعارف، يستثمر شتى طاقات البيان، والسرد، والتصوير الفني، والحوار. فالتنزيل الحكيم يوقظ العقل بالسؤال، ويستحوذ على مشاعر المخاطب بالقصص، ويقرّب المعنى من التجربة بالأمثال، ويحول الكون إلى ميدان للمعارف بالدعوة إلى التأمل والمشاهدة. وإن دراسة هذه الأساليب تفتح نافذة للإلهام في كيفية صياغة الرسائل الدينية وتطوير مهارات الدراية الإعلامية.
القرآن الكريم ومنظومة إبلاغ الرسالة
تُعدّ الوسيلة الإعلامية فرصة لنقل الرسالة وإقامة التواصل بين المُرْسِل والمخاطَب. وقد أولى القرآن الكريم هذه الوظيفة اهتمامًا بالغًا ضمن منظومة متكاملة من المفاهيم، مثل: الرسالة، والإبلاغ، والبيان، والتلاوة، والكتاب.
إن التعبير القرآني: ﴿هَٰذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ (إبراهيم: 52) يقدّم القرآن بوصفه رسالة عامة موجهة للبشرية جمعاء. كما أن قوله تعالى: ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 138) يؤكد على جلاء الحقيقة وجعلها مفهومة ومستوعَبة.
وفي هذه المنظومة، ترتبط “الرسالة” بمهمة إيصال الخطاب، و”البيان” بجلائه وتوضيح معناه، و”الكتاب” بالتدوين والحفظ، و”القرآن” بالجاهزية للقراءة والتلاوة، و”الفرقان” بالقدرة على التمييز بين الحق والباطل. وتبرز هذه المفاهيم الجوانب المختلفة للتواصل الهادي؛ إذ يجب أن تصل الرسالة إلى المخاطَب، وأن تُفهم بوضوح، وأن تبقى متاحة، وأن تعزز لديه القدرة على التمييز والتفكير.
كما أن أفق المخاطَبين يتسم بالاتساع والشمول؛ يقول الله تعالى:
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ (الأنعام ۱۹)
إذ تذكّر عبارة ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ بإمكانية امتداد الرسالة عبر الأزمنة والآمكنة المختلفة. وتأتي التلاوة، والتعليم، والكتابة في خدمة هذا الامتداد؛ ليكون القرآن الكريم، إلى جانب محتواه الهادي، حاملاً لوظيفة نقل الرسالة وتخليدها عبر الأجيال.
من أمر التبليغ إلى الحضور الاجتماعي للرسالة
يُعرّف القرآن الكريم عملية إبلاغ الرسالة بأنها مسؤولية واضحة وجلية؛ يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائده: ۶۷)
كما يشير إلى أولئك الذين:
﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾ (الأحزاب: ۳۹)
وفي هذه الرؤية، يرتبط التبليغ ارتباطاً وثيقاً بالتعهد، والشجاعة، والمسؤولية.
وفي تفاسير أهل البيت (عليهم السلام)، ترتبط آية التبليغ بإعلان ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم غدير خم. وإن اجتماع المخاطبين والإعلان العلني للرسالة في هذه الواقعة يدلّان بوضوح على أهمية الحضور الاجتماعي للتبليغ؛ إذ ينبغي عرض الرسالة الأساسية في موقع مناسب، وتوفير الفرصة الكاملة لسماعها، وفهمها، ونقلها. وبهذا المنظور، يمثل الغدير نموذجاً ساطعاً للتأمل في العلاقة القائمة بين أهمية الرسالة وطريقة إعلانها الجماهيري.
كما تُعدّ رسالة نبي الله سليمان إلى ملكة سبأ نموذجاً آخر للتواصل الهادف، حيث يُرفق إرسال الرسالة بملاحظة ردود فعل المتلقين؛ يقول تعالى على لسان سليمان:
﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ (النمل: ۲۸)
وفي هذا المشهد، يتجلى اختيار الوسيلة المناسبة، وإيصال الخطاب، وتلقي رد الفعل، لتشكل معاً أجزاء متكاملة لعملية تواصلية ناجحة.
البدايات المتميزة وفن جذب الانتباه
تُشكل الخطوة الأولى في عملية التواصل جذبَ انتباه المخاطَب. وإن افتتاح بعض السور بالحروف المقطعة، نحو: ﴿الم﴾، و﴿حم﴾، و﴿ق﴾، و﴿ن﴾، يخلق -من حيث التلقي السمعي- بداية متميزة وفريدة؛ إذ يواجه المستمع استهلالاً يختلف عن السياق المعتاد للحديث، مما يجعله أكثر استعداداً ولفتًا للانتباه لما سيأتي بعده. وتُذكّر هذه الطاقة التواصلية منتجي المحتوى بأهمية تصميم المطلع ونقطة الولوج إلى الرسالة.
كما أن الاستهلالات المبدوءة بصيغ أمرية، مثل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: 1)، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (الأعلى: 1)، تعرض الرسالة بتوجيهٍ صريح وواضح؛ فـ “قُل” تدعو النبي إلى التعبير عن الحقيقة وإعلانها، و”سَبِّح” دعوة مباشرة إلى فعل عبادي. وقارئ القرآن الكريم، عند تلاوته، ينطق بنفسه برسالة التوحيد ويتفاعل مع الدعوة للتسبيح. إن مثل هذه الافتتاحيات تربط الانتباه بالمشاركة والممارسة العملية.
وبالنسبة للإعلام الديني اليوم، تُعدّ هذه الأساليب مصدراً للإلهام؛ إذ يمكن أن تكون بداية أي برنامج عبارةً عن جملة قصيرة، أو سؤالٍ مثير للتفكير، أو صورةٍ ذات دلالة عميقة، أو دعوةٍ صريحة. إن نقطة الدخول المناسبة تُهيئ المخاطَب لتلقي المحتوى الرئيسي، وتبيّن له بوضوح سبب استمراره في الاستماع والمشاهدة.
الخطاف السردي وفتح آفاق الفضول
يُعدّ الاستهلال بعباراتٍ تُثير العقل وتزيد من الشغف لمتابعة الأحداث أحدَ الأساليب المؤثرة في القرآن الكريم؛ فقوله تعالى:
﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ﴾ (طه: ۹)
يمتلك هذه الطاقة بدقة؛ إذ يستعد المستمع فور سماعه هذا السؤال للولوج في تفاصيل حدثٍ مهم .
وفي مطلع قصة أصحاب الكهف، نقرأ قوله تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ (الكهف: ۹)
إن التذكير بأصحاب الكهف والرقيم وطرح التساؤل حول مدى غرابة قصتهم يبعث أسئلة حيّة في الذهن: من هم هؤلاء؟ وما الذي جعل من سردهم حادثةً خالدة؟ ثم يتولى السرد بعد ذلك قيادة المخاطَب تدريجياً نحو الإجابات.
وفي قصة آدم (عليه السلام)، يُشكل الإعلان الإلهي:
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ۳۰)
مدخلاً لطرح قضية كبرى تخص الإنسان. أمّا في قصة ذي القرنين، فإن سؤال الناس هو ما يفتح مسار السرد:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ (الكهف: ۸۳)
تؤدي هذه الافتتاحيات وظيفة تشبه “الخطاف السردي؛ حيث تطرح قضيةً تدفع إجابتُها المخاطَبَ إلى مواصلة المتابعة بشغف.
إن الإلهام العملي لهذا الأسلوب عند كتابة المقالات، أو إلقاء الخطب، أو إنتاج “البرودكاست” والمقاطع المرئية، يكمن في البدء بسؤالٍ حيوي؛ سؤالٍ يجد فيه المخاطَب مسألةً تعنيه، ليقترب خطوة بخطوة عبر العمل الفني من فهم الإجابة.
الوجود في مقام الراوي والآية
لا يقتصر ميدان السرد في القرآن الكريم على الإنسان وحده؛ ففي مطلع سورتي الجمعة والتغابن نقرأ قوله تعالى:
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (الجمعة والتغابن: ۱)
وفي آية أخرى، تتجلى هذه الحقيقة بشكل أكثر شمولاً واتساعاً:
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء:: ۴۴)
وفي هذه الرؤية، يُعدّ الوجود زاخراً بالآيات والمعاني؛ إذ تحكي المخلوقات بتسبيحها عن عظمة الخالق جلّ وعلا. ويفتح القرآن الكريم هذا الأفق أمام الإنسان لينظر إلى العالم المحيط به بتأملٍ أعمق؛ فإن معرفة الطبيعة يمكن أن تشكل أرضية لتلقي دلالات الحكمة، والقدرة، والرحمة الإلهية.
إن الدعوة إلى التأمل في خلق الإبل، والسماء، والجبال، والأرض تُحرّك نظرة المخاطَب بين الظواهر المشهودة (الغاشية: 17 – 20)؛ إذ إن البدء بكائنٍ مألوف ثم توسيع نطاق الرؤية نحو آفاق السماء والأرض يمتلك طاقة إلهامية متقدمة للسرد البصري. وتستطيع “عدسة” أي عمل ديني، من خلال الالتفات إلى تفاصيل الخلق، والتنقل بين الآفاق الطبيعية، وطرح الأسئلة المناسبة، أن تدعو المخاطَب إلى مشاهدةٍ تتسم بالفكر والتدبر.
السفر و المشاهدة بوصفهما تعليماً ميدانياً
تدعو الأوامر القرآنية الصريحة نحو: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ المخاطَبَ إلى الحركة والمشاهدة؛ فتارةً يأتي هذا السفر للتأمل في بدء الخلق: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (العنكبوت: 20)، وتارةً أخرى لدراسة عاقبة السابقين: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (الروم: 42). وإن المشاهدة الميدانية في هذه الآيات تقترن بالمساءلة والتعلم المستمر.
ويحمل هذا الأسلوب طاقة جليّة للإلهام في إنتاج الوثائقيات الخاصة بالطبيعة والجغرافيا، والتاريخ؛ حيث ينزل المخاطَب مع الراوي إلى الميدان، ليعاين الظواهر بنفسه ويفكر في مراميها. إن تصوير الرحلات لأحد المعالم التاريخية يمكن أن يغدو منطلقاً للحوار حول العدالة ومصائر الحضارات، كما أن استكشاف بيئة طبيعية قد يثير أسئلة عميقة حول حكمة الخلق ومسؤولية الإنسان في حمايتها؛ لتصبح الأرض في هذا الطرح مدرسةً لتعليم التوحيد وذاكرةً حية للتاريخ.
لغة الإشارة وتقريب المعاني
تُوجّه أدوات الإشارة في القرآن الكريم انتباهَ المستمع، وتقيم صلة وثيقة بين الخطاب وموضوعه؛ فقوله تعالى: ﴿هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ (لقمان: 11) يلفت العقل إلى الآيات الشاخصة أمام العينين، وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (يوسف: 1) يجعل الآيات في بؤرة الاهتمام، بينما يبرز قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (البقرة: 5) -بعد توضيح صفات المتقين- المتقينَ أنفسَهم بوصفهم النموذجَ المتجسد للهدى.
يُقدم هذا الأسلوب للمبلغين والإعلاميين مساراً للعبور من المفاهيم الكلية إلى المصاديق الجلية؛ فعند الحديث عن الأمانة، يمكن تجسيد موقفٍ واقعي يحفظ الأمانة، وفي معرض التحدث عن الكرامة، يُسلط الضوء على سلوكٍ يتسم بالاحترام، وعند تبيين العدل، تُحلل قرارات منصفة. إن الإشارة المتقنة تُعين المخاطَب على التمييز الواعي للموضوع داخل تجارب الحياة اليومية.
المثل والصورة لتقريب المفاهيم
يُضيّق القرآن الكريم بالمَثَل المسافةَ الفاصلة بين المفهوم والتجربة؛ فالإنفاق يُصوَّر بحبةٍ تُنبت سبع سنابل (البقرة: 261)، ووهن المرتكزات الباطلة يُشبه ببيت العنكبوت (العنكبوت: 41)، وعجز الآلهة المزعومة يُجسّد في عجزها عن خلق ذبابة (الحج: 73). يضع كل مَثَل أمام العين علاقةً تجعل فهم المعنى أيسر وأكثر ثباتاً في الذهن.
ويتسع نطاق هذه الصور ليمتد من كائنٍ صغير كالبعوضة، كما في الآية الكريمة:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ (البقرة: ۲۶)
وصولاً إلى سردية أصحاب الفيل ومصير جيشهم. وفي هذا المدى الواسع، تُسخَّر الموضوعات المألوفة والأحجام المتباينة لخدمة نقل المعنى. وإن ما يجعل المَثَل والصورة مؤثرين هو تناسبهما الدقيق مع الحقيقة المراد إدراكها.
ويمكن للإعلام الديني اليوم أيضاً أن يستمد أمثلته من التجارب اليومية، والعلاقات الأسرية، وبيئة العمل، والحياة الرقمية. فعلى سبيل المثال، لتوضيح مسؤولية إعادة نشر شائعة ما، يمكن سرد مسار انتشارها وأثرها على كرامة إحدى الأسر؛ ومثل هذا المَثَل يجعل تبعات سلوكٍ يبدو في ظاهره مجرد ضغطة زر، أمراً ملموساً وواضحاً للمخاطَب.
القصة وهندسة نقل الرسالة
تُعدّ القصة في القرآن الكريم إطاراً لمزاوجة الفكر بالعاطفة؛ حيث يواجه المخاطَب الشخصياتِ، القراراتِ، التحدياتِ، والنتائجَ، ليدرك المعنى في سياق أحداث سيرةٍ معينة. وتُعتبر قصة نبي الله يوسف (عليه السلام) من أبرز الأمثلة على هذا الأسلوب؛ حيث تتكامل في بناءٍ متماسك: الرؤيا في البداية، وحسد الإخوة، والفراق عن الأب، واختبار العفة، والسجن، والمسؤولية الاجتماعية، ثم اللقاء بالأسرّة مجدداً. كما أن صلة الرؤيا في بداية القصة بتحققها في نهايتها تمنح السرد انسجاماً وعمقاً (يوسف: 4 و100).
وإلى جانب هذا السرد الممتد، تُعرض حادثة نبي الله يونس (عليه السلام) في مواضع قصيرة ومكثفة، بينما تُسلط الأضواء في قصتي “ناقة ثمود” و”بقرة بني إسرائيل” على مشاهد محدودة ومحددة. إن حجم السرد واختيار التفاصيل يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالرسالة الهادية للقصة؛ فتارةً تتيح قصة قصيرة تبيان حقيقةٍ أخلاقية، وتارةً أخرى يتيح التأمل الطويل مع إحدى الشخصيات فهمَ أبعادٍ متعددة لتلك الحقيقة.
يُقدم هذا التنوع مساراً مهماً لمنتجي المحتوى الديني؛ إذ يمكن تقديم الموضوع وفقاً لحاجة المخاطَب في قالب مقطع سردي مدته دقيقة واحدة، أو فيلم قصير، أو عمل مسرحي صوتي، أو مسلسل متعدد الحلقات. إن اختيار القالب، وترتيب المشاهد، وتوقيت الكشف عن المعلومات، كلها عناصر تسهم في تشكيل تجربة المخاطَب؛ فالقصة المؤثرة هي التي ترافق المخاطَب في رحلة اكتشاف المعنى.
الحيوانات وتوسيع أفاق الرؤية
يُحقق حضور الحيوانات في السرد القرآني توسيعاً لآفاق انتباه الإنسان؛ فالنملة تُحذر قومها وتُنبههم إلى الخطر الداهق فيدرك سليمان (عليه السلام) قولها (النمل: 18 و19)، والهدهد يأتي بنبأٍ يقين من أرض سبأ ليكون تقريره بداية لسلسلة من التحريات والتواصل (النمل: 22 – 28)، كما يُشكل حضور كلب أصحاب الكهف في وصف مشهد الغار جزءاً من الصورة الخالدة لتلك الواقعة (الكهف: 18).
وفي هذه السرديات، تُصبح الكائنات غير البشرية بؤرةً للاهتمام، فينظر المخاطَب إلى العالم من أفق جديدة. وإن مثل هذه الطاقة يُمكِن أن تُشكل مصدراً لإلهام الرسوم المتحركة، وأدب الأطفال، والأعمال البيئية؛ وهي أعمال يُتيح الاهتمام بحياة الكائنات فيها أرضيةً لتعليم الرعاية، والمسؤولية، وإدراك عظَم الخَلْق.
إدراك السر واستثارة التأمل
إن جزءاً من التواصل المؤثر يكمن في فتح آفاقٍ تدعو المخاطَب إلى مزيد من التفكير والتدبر. يفيض القرآن الكريم في الإجابة عن السؤال عن الروح بقوله تعالى:
﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (الإسراء: ۸۵)
ثم يُذكّر بقلة العلم البشري وضيقه؛ ليُوجّه الانتباه إلى عمق الحقيقة وسعة آفاق المعرفة.
كما أن التعبير القرآني: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: 11) يرتقي بالعقل بعيداً عن التشبيه والمماثلة بين الله تعالى والظواهر المحسوسة؛ فيُدعى المخاطَب للتأمل في حقيقةٍ لا تُحصَر داخل نطاق تجاربه المحدودة. ويُنمّي هذا الأسلوب مشاعر الدهشة، والتواضع المعرفي، والشغف بالإدراك.
وبالنسبة للإعلام الديني، يكمن الإلهام المستفاد من هذا النهج في تصميم أعمالٍ تترك بعد مشاهدتها سؤالاً عميقاً في الذهن؛ إذ إن التفكير في صورة السماء ليلاً، أو التأمل في الحياة والموت، أو سرد تجربة الدعاء، يمكن أن يُشكل بدايةً للحوار حول المعنى وعلاقة الإنسان بالخالق؛ ليوفر العمل الإعلامي بذلك فرصةً للتأمل والتفكر.
تنوع المخاطَبين وخلود الرسالة
تستوعب الخطابات القرآنية طيفاً واسعاً ومتنوعاً من المخاطَبين ومواقف التواصل؛ فنحواً من الخطاب يمتلك أفقاً عاماً كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، ونحواً آخر يُوجّه المؤمنين إلى مسؤولياتهم الإيمانية كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، في حين يُفعل الخطابُ الموجّه لـ “أولي الألباب” طاقة التعقل، وتُذكّر عبارة ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ بعلاقة العبودية بنبرةٍ قريبة ومفعمة بالرجاء. كما أن تنوع الاستدلال، والموعظة، والقصة، والبشارة، والنذارة يُتيح التواصل عبر مساراتٍ شتى.
إن الأصل القرآني:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم:۴)
يُبرز أهمية وضوح الخطاب وجعله مفهوماً. وفي مجتمع متعدد اللغات كالمملكة المتحدة، يُعدّ الاهتمام باللغة، والتساؤلات، وتجارب الأجيال المختلفة جزءاً من هذه المسؤولية التواصلية بعينها؛ فالرسالة المتعلقة بالأسرة -على سبيل المثال- تحتاج إلى أمثلة ونقاط دخول تتناسب مع كلٍّ من المراهق، والزوجين الشابين، والوالدين كبار السن.
كما يُسهم الإيقاع التعبيري والتكرار المدروس في خلود الرسالة وترسيخها؛ فترداد قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ في سورة الرحمن -إلى جانب عرض النعم والمشاهد المتنوعة- يعيد المخاطَب مراراً إلى سؤالٍ محوري واحد. ويمكن الاستلهام من هذا الأسلوب لتصميم سلاسل إعلامية تتناول رسالةً واحدة وتبسطها في مواقف متعددة، لتكشف في كل مرة عن بعدٍ جديد من أبعادها.
الدراية الإعلامية في ضوء الأخلاق القرآنية
إلى جانب التعليم على إيصال الرسائل، يُذكّر القرآن الكريم بمسؤولية تلقي الأخبار وتقييمها؛ فالأمر الإلهي: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ عند مواجهة النبأ القادم من الفاسق يهدف إلى الوقاية من إلحاق الضرر بالآخرين عن جهالة (الحجرات: 6). كما أن قوله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ۳۶)
يدعو الإنسان إلى التزام المسؤولية المعرفية.
وفي قصة الهدهد، يتبع ادعاء مجيئه بـ ﴿نَبَإٍ يَقِينٍ﴾ فحصٌ وتحرٍّ من قبل سليمان (عليه السلام):
﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (النمل: ۲۷)
إن هذا الربط الوثيق بين الخبر والدراسة يُشكل مصدراً للإلهام في التعامل المعاصر مع الصور المتلاعب بها، والاقتباسات مجهولة المصدر، والشائعات؛ إذ إن الالتفات إلى المصدر، والأدلة، وتبعات إعادة النشر، يُمكن أن يغدو جزءاً من التربية الدينية في الأسرة والمراكز الإسلامية.
إن الدعوة بـ ﴿الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: 125) والانسجام بين القول والفعل (الصف: 2 و3) يُعززان الثقة. وبتطبيق هذه المبادئ، يحترم الإعلام الديني عقل المخاطَب، وكرامته، وقدرته على التحكيم والتمييز. ويمكن التماس نجاحه في جلاء المعرفة، وزيادة الثقة، وتبلور السلوك المسؤول.
من النماذج القرآنية إلى المبادرات الإعلامية المعاصرة
تمتلك المبادئ التواصلية المستمدة من القرآن الكريم القدرةَ على التجسد في أشكالٍ معاصرة؛ إذ يمكن أن يتجلى أسلوب “التساؤل والمساءلة” في برنامجٍ تفاعلي، والدعوةُ إلى “المشاهدة والملاحظة” في فيلمٍ وثائقي أو أدب رحلات مصوّر، و”التمثيل وتقريب المفاهيم” في أعمال الرسوم المتحركة أو الصور التوضيحية الشارحة، و”القصة والسرد” في الأفلام، والدراما الصوتية، والسرديات الرقمية. وتفتح هذه الطاقة الميدانَ واسعاً أمام المبتكرين الإعلاميين والمبلغين الدينين.
فعلى سبيل المثال، يمكن لسلسلة برامج بعنوان “قبل إعادة النشر” أن تضع المخاطَب أمام خبرٍ ما، ثم تشركه في التثبت من مصدره، وتاريخه، وأدلته. كما يمكن لسلسلة “آية في مشهد” أن تبدأ من ظاهرة طبيعية أو أثر تاريخي، لترافق المشاهدةَ الوثائقية بتأملٍ قرآني عميق. وفي برنامج “ماذا تختارون؟”، يستطيع المخاطَب التفاعلَ مع موقفٍ أسري أو اجتماعي معقد لاتخاذ قرارٍ شجاع، ثم تقييم تبعاته ومعاييره الأخلاقية.
كما يمكن تقديم الموضوع الواحد على مستوياتٍ متعددة: محتوى قصير لطرح التساؤل، وحوار مفصل للتوضيح، ونص وثائقي للدراسة الأعمق.
ويُهيئ هذا التكافل والترابط مسارَ الانتقال من الانتباه الأولي إلى الفهم الشامل والعمل المسؤول. كما يُسهم تلقي التغذية الراجعة وتقييم مدى استيعاب المخاطَب في تقويم هذه الأعمال وتطويرها المستمر.
الرسالة الإعلامية لنمو الإنسان
يُقدم دراسة أسلوب البيان القرآني نموذجاً ثرياً للتأمل في مفهوم الإعلام ووظيفته؛ فالقرآن الكريم يضع الرسالة في متناول الجميع، ويحث الانتباه، ويمازج الفكر بالعاطفة، ويدعو المخاطَب إلى المشاهدة، والمساءلة، والتحكيم، والممارسة العملية. وإن الاستلهام من هذه الأساليب يُمكن أن يؤدي إلى تبلور لغات تعبيرية جديدة لإيصال المعارف الدينية؛ لغات تتناسب مع لسان الإنسان المعاصر ومتطلباته.
يُشكل الأسبوع العالمي للدراية الإعلامية والمعلوماتية فرصةً للمؤسسات الدينية للارتقاء بجودة إنتاج الرسائل الإعلامية من جهة، وتعزيز القدرة على تقييم تلك الرسائل لدى الجمهور من جهة أخرى. وفي الأفق القرآني، يقترب الإعلام من رسالته السامية عندما يجعل الإنسان أكثر وعياً بالحقيقة، وأكثر سداداً في التحكيم والتمييز، وأكثر مسؤولية في سلوكه؛ ليتفرغ هذا التواصل الإيجابي ويحول الانتباه إلى معرفة، والمعرفةَ إلى أرضيةٍ لنمو الإنسان وتكامله.
news via inbox
Subscribe to the newsletter.

