قصص القرآن الخالدة السنة الثالثة العدد 44
سيرة الأرض المقدسة؛ من هجرت الخليل حتى معراج الحبيب (٤)
من خطى محمد (ص) إلى العروج نحو الملكوت
الليلة التي كانت ظلمتها أنور من الشمس
قرون مضت على عروج السيد المسيح (ع)، وكانت مكة تعيش تحت وطأة ظلام الجاهلية والوثنية الثقيل. لقد اجتاز خاتم الأنبياء، محمد (ص)، أعواماً صعبة؛ إذ ترك الحصار في شعب أبي طالب، وفقد نصيريه العظيمين السيدة خديجة (س) وأبا طالب، حزناً عميقاً في قلبه الشريف.
وفي إحدى تلك الليالي المصيرية، بينما كان النبي (ص) في خلوة المسجد الحرام أو في داره، هبط عليه جبرائيل الأمين. لقد حان وقت أروع رحلة في تاريخ البشرية؛ رحلة تبدأ من جوار الكعبة وتصل إلى قلب الأرض المقدسة:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ…﴾
(الإسراء: ١)
الهبوط على ثرى بيت المقدس
البراق، المركب السماوي للنبي (ص)، قطع المسافة بين مكة والشام في وقت قصير، فهبط النبي (ص) في باحة المسجد الأقصى وأرض بيت المقدس.
كانت هذه هي الأرض التي تحتضن ذكريات خطى إبرهيم (ع)، وسجدات داود وسليمان (ع)، وعبادات مريم الطاهرة (س)، ومعجزات عيسى (ع).والآن، كان خاتم الأنبياء (ص) يطأ بثرىً مهدت أجيال متعاقبة من الأنبياء لظهوره ورسالته.
في تلك الليلة المباركة، اجتمعت أرواح الأنبياء الطاهرة في المسجد الأقصى. وقف النبي محمد (ص) إماماً لجميع المرسلين، واصطفوا خلفه يصلون.وقد عرض بيت المقدس في تلك الليلة أبهى تجليات وحدة الأنبياء وترابط الرسالات الإلهية.
الصخرة؛ جسر بين الأرض والسماء
بعد الصلاة في بيت المقدس، اكتسبت نقطة من هذه الأرض مكانة خاصة إلى الأبد في تاريخ البشرية: صخرة بيت المقدس المقدسة؛ حيث كانت منطلق عروج النبي (ص) إلى السموات.
صعد النبي (ص) مع جبرائيل من المسجد الأقصى نحو السموات؛ فعبر طبقات السماوات المختلفة، والتقى بالأنبياء الإلهيين، وتقدم حتى بلغ أفق سدرة المنتهى؛ المقام الذي لم يكن لجبرائيل وراءه سبيلاً.
﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ … لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾
(النجم: ١٤ إلى ١٨)
وهكذا، تحول المسجد الأقصى والأرض المقدسة إلى بوابة بين عالم التراب وعالم الأفلاك؛ الجسر الذي يربط الأرض بالسماء والملك بالملكوت.
القبلة الأولى والذكرى الخالدة
مع عودة النبي (ص) من المعراج، ثبّت بيت المقدس مكانته الخاصة في الثقافة الإسلامية أكثر من أي وقت مضى. فلم تكن هذه الأرض القبلة الأولى للمسلمين فحسب، بل غدت واحدة من أعظم رموز ترابط الرسالات الإلهية.
بدأت قصة الأرض المقدسة في القرآن بهجرة إبراهيم (ع)؛ وتواصلت بجهاد قوم موسى (ع)؛ وبلغت ذروة مجدها في عهد داود وسليمان (ع)؛ واكتسبت طابعاً جديداً بطهارة مريم (س) ومعجزات عيسى (ع)؛ ثم غدت مع خطى خاتم الأنبياء (ص) ومعراجه من المسجد الأقصى، لتصبح حلقة الوصل بين جميع الأديان التوحيدية؛ تلك الأرض التي قال الله تعالى فيها:
﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾
سر تحويل القبلة؛ من المسجد الأقصى إلى الكعبة
سبعة عشر شهرًا من الصلاة نحو بيت المقدس
بعد هجرة النبي (ص) إلى المدينة وتشكيل المجتمع الإسلامي الأول، ظل المسلمون يصلون متوجهين نحو بيت المقدس. ومضت نحو ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا على مقدم النبي (ص) إلى المدينة، وبقي المسجد الأقصى هو قبلة المسلمين.
كان هذا الأمر يعكس الرابط العميقة للإسلام بتراث سائر الأنبياء السابقين واستمرار مسيرة التوحيد من إبراهيم، وداود، وسليمان، وعيسى (عليهم السلام) وحتى خاتم الأنبياء (ص)
الطعون وانتظار رسول الله (ص)
مع استقرار المسلمين في المدينة، أقدم بعض أهل الكتاب بحوافز متعصبة على الطعن بالقول:
«ليس لمحمد وأتباعه استقلال؛ فهم يصلون نحو قبلتنا ودون ذلك لا يعرفون أين يتوجهون بالعبادة.»
ولم تكن هذه الأقوال نابعة من طلب الحقيقة، بل كُتبت بغرض إضعاف روح المعنوية للمسلمين. وكان النبي الأكرم (ص) يحزن لهذه التصرفات، لكنه ظل منتظراً للأمر الإلهي؛ انتظاراً طالما رمى إلى صياغة الهوية المستقلة للأمة الإسلامية.
الصلاة التاريخية في مسجد ذي القبلتين
في منتصف شعبان من السنة الثانية للهجرة، كان النبي (ص) يقيم صلاة الظهر في مسجد بني سالم، الذي عُرف لاحقاً بمسجد ذي القبلتين. وقد انقضى ركعتان من الصلاة وكان المسلمون وقوفاً متوجهين نحو بيت المقدس.
وفي تلك اللحظة بالذات، هبط جبرائيل وأبلغ الأمر الإلهي. فالتفت النبي (ص) في منتصف الصلاة نحو المسجد الحرام، وتبعه المسلمون من دون توقف. وفي تلك اللحظة نزلت آية تحويل القبلة:
﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ…﴾
(البقرة ۱۴۴)
وقد تحولت تلك الصلاة إلى واحدة من أروع وقائع تاريخ الإسلام؛ صلاة قُضيت ركعتاها الأولى نحو بيت المقدس، وركعتاها الأخريان نحو الكعبة.
امتحان التسليم الکبير
أثار تحويل القبلة ردود فعل واسعة النطاق في المدينة. فقد تساءل اليهود والمنافقون بتعجب واعتراض:
«ما الذي صرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟»
فجاء الرد القرآني مؤكداً أن المشرق والمغرب لله وحده، وأن القيمة الحقيقية تكمن في طاعة الأمر الإلهي، لا في التعصب لاتجاه جغرافي معين:
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
(البقرة ۱۴۲- ۱۴۳)
ثم كشف القرآن في متابعة الآية ۱۴۳ عن السر الأساسي لهذا التغيير:
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ…﴾
الدروس التربوية والأخلاقية
۱- العروج والانفراج بعد أصعب امتحانات الحياة:
وقعت حادثة المعراج مباشرة بعد “عام الحزن” سنة الشجون، إثر وفاة السيدة خديجة (س) وأبي طالب (ع) والحصار في شعب أبي طالب.
- الدرس التربوي:
- إن الانفراجات الإلهية الكبرى والعروج الروحي تنزل مباشرة بعد الصبر والثبات في أصعب منعطفات الابتلاء؛ فلا ينبغي للإنسان أن يفقد الأمل في ذروة الشدائد.
۲- وحدة وتكامل مسيرة التوحيد عبر التاريخ
إن صلاة خاتم الأنبياء (ص) بصفته إماماً لجميع الأنبياء الإلهيين في المسجد الأقصى، تُظهر ترابط جميع الديانات السماوية.
- الدرس التربوي: يمتلك الإنسان الموحد نظرة شمولية ومحترمة تجاه جميع المصلحين والأنبياء السابقين. وتغرس هذه التعاليم روح طلب الحقيقة، والوحدة، ونبذ التعصبات القومية العمياء في المجتمع.
۳- أصل “العبودية المطلقة” ونفي التعصبات المشكلة والجغرافية
أثبت سر تحويل القبلة أن الاتجاهات الجغرافية كالشرق، أو الغرب، أو الشمال، أو الجنوب ليس لها بذاتها موضوعية أصيلة، بل إن الأمر الإلهي هو ما يضفي القيمة على المكان.
- الدرس التربوي: المؤمن الحقيقي متعلق بـ “أمر الله” ومستسلم للحقيقة، لا متعلق بالعادات والمظاهر الظاهرية. فالاستدارة بمقدار ۱۸۰ درجة في الصلاة تُمثل أعلى درجات الانضباط الروحي والتبع المخلص للحق.
۴- استقلال هوية الأمة ونفي التبعية
كان تحويل القبلة نقطة تحول في إعلات استقلال المسلمين العبادي والمعرفي في مواجهة طعون الأعداء الذليلة.
- الدرس التربوي: المجتمع الحي والناهض، مع احترامه للتاريخ وللآخرين، يجب ألا يجعل هويته ورموزه الأصيلة تابعة أو مديونة لنظرات الآخرين أو سخرتهم. الحفاظ على الهوية المستقلة هو شرط لتحقيق “الأمة الوسط”.
۵-ارتباط الحرمين: مكة وبيت المقدس
مع حادثة المعراج وتحويل القبلة، تضافر قطبا العالم الإسلامي المعنويان في منظومة واحدة: الكعبة بوصفها “القبلة الخالدة للصلاة” والمسجد الأقصى بوصفه “معراج النبي ومحطة هبوط الأنبياء”.
- الدرس التربوي: تقدير جميع الرموز القدسية والحفاظ على شرف الأمانات الإلهية طوال التاريخ هو واجب دائم على الموحدين.
وهكذا، تصل قصة الأرض المقدسة إلى غايتها؛ الأرض التي باركتها خطى الأنبياء وجعلتها جسراً يربط الأرض بالسماء. واليوم، وبينما يتعب قلب هذه الديار من الآلام والظلم، نترقب اليوم الذي تتحقق فيه الوعد الإلهي، ويعود بيت المقدس، متحرراً من ظل الظلم، مأمناً آمناً ومعنوياً للموحدين والأحرار في جميع أنحاء العالم.
المصادر
القرآن الكريم:
- سورة الإسراء، الآية ۱ السريان الليلي للنبي (ص) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ…
- سورة النجم، الآيات ۱۴ إلى ۱۸: وصف عروج النبي (ص) إلى سدرة المنتهى وشهود آيات الله الكبرى.
- سورة البقرة، الآيات ۱۴۲ إلى ۱۴۵: قصة تحويل القبلة من بيت المقدس نحو الكعبة، والرد على الطاعنين، وحكمة امتحان التسليم.
المصادر الروائية والتفصيلية والتاريخية:
- تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي: ذيل الآية ۱ من سورة الإسراء لتحليل حقيقة المعراج وقداستة بيت المقدس، وذيل الآيات ۱۴۲- ۱۴۵ من سورة البقرة لبيان حكمة تحويل القبلة.
- تفسير الأمثل، آية الله العظمى مكارم الشيرازي: ذيل الآية ۱ من سورة الإسراء والآيات ۱۴۲- ۱۴۴ من سورة البقرة لتحليل التاريخي لمسجد القبلتين واستقلال الأمة الإسلامية.
- السيرة النبوية، ابن هشام – ج ۲ الروايات المتعلقة بحادثة الإسراء والمعراج وإقامة النبي (ص) الصلاة مع أرواح الأنبياء في بيت المقدس.
- بحار الأنوار، العلامة المجلسي: المجلد ۱۸ أبواب المعراج والمجلد ۱۹ باب تغيير القبلة وبناء مسجد القبلتين.
• الطبقات الكبرى، ابن سعد – ج ۱ وقائع السنة الثانية للهجرة وتفاصيل صلاة الظهر التاريخية في مسجد بني سالم (ذي القبلتين)
editor's pick
news via inbox
Subscribe to the newsletter.

